بوصفي شغوفاً بالسينما ولغوياً محترفاً، أجد نفسي مشدوداً دائماً إلى عالم الأفلام. ومثلي مثل زملائي اللغويين والمترجمين، أستمتع بمتابعة أحدث الإصدارات السينمائية. غير أن مشاهدتي الأخيرة لفيلم «Patriots Day» دفعتني إلى التساؤل عن تفصيل بالغ الأهمية كثيراً ما يغفله منتجو هوليوود: التصوير الدقيق للغات واللهجات.
كانت المراجعات التي تناولت الفيلم مبشّرة، ولم يخيب العمل ظني من حيث قيمته السينمائية. ومع ذلك، شابه خلل واضح بدا أنه أفلت من انتباه النقاد والمشاهدين على السواء؛ وهو خطأ جوهري كان من اليسير تداركه لو أدرك المنتجون أهمية الاستعانة بلغويين أكفاء.
ولأوضح ما أعنيه:
- يتناول «Patriots Day» تفجير ماراثون بوسطن، ويعرض المشتبه به الرئيسي جوهر تسارناييف بوصفه آتياً من قرغيزستان. وقد أُثبتت هذه الحقيقة في سياق السرد: «وُلد جوهر تسارناييف، المشتبه به في تفجير بوسطن، في بيشكيك بقرغيزستان. وغادر تسارناييف، المشتبه به الناجي من التفجير الدامي لماراثون بوسطن، البلاد عام 2001».
- في مشهد محوري، يظهر تسارناييف الأصغر وهو يشاهد مقطعاً تعليمياً عن صنع قنابل مسامير منزلية. لكن اللغة المستخدمة في المقطع هي العربية الشامية، وهو سهو كبير.
- يبدو هذا الخلل جلياً لأن اللغة الرسمية في قرغيزستان هي القرغيزية، ولأن تسارناييف لم يكن يتقن العربية أو اللهجة الشامية. ومن ثم فإن استخدام الشامية، حتى بوصفه أداة سردية لإحداث أثر درامي، لا يحقق غرضه ويقدّم تصويراً غير دقيق.
- وللأسف لا تقف الأخطاء عند هذا الحد. ففي مونتاج موجزات الأخبار الدولية، صُوّرت لغات أخرى بدقة، بينما بدا تمثيل الأخبار بالعربية والأردية مفككاً على نحو صادم. وما أُريد له أن يكون كلاماً ذا معنى لم يكن سوى حروف عربية مرتبة بلا تنسيق يتعذر فكّها.
خطأ يتكرر خارج «Patriots Day»
ليس هذا الخطأ حادثة معزولة تقتصر على «Patriots Day»، بل هو مشكلة تتكرر في أفلام هوليوود الكبرى، مثل مشاهد المغرب في «Mission: Impossible – Rogue Nation» ومشاهد دبي في «Fast & Furious 7»، وغيرها.
يقدّم «Patriots Day» تصويراً بالغ القوة للصمود في وجه الشدائد، وانتصار الحب على الكراهية، وتغلّب الوحدة على العنف. وتُظهر هذه المعاني قدرتنا، بوصفنا أمة، على تجاوز التهديدات مهما بلغ حجمها، بصرف النظر عن منشأ خصومنا أو أهدافهم. ومع ذلك، يمكن لهذه الحكايات الملهمة أن تزداد قوة إذا أدرك منتجو هوليوود أهمية الدقة اللغوية. فالاستعانة باللغويين في العملية الإبداعية تضمن استخداماً أصيلاً للغة، وتحول دون انتقاص أخطاء صارخة كهذه من تجربة مشاهدة الفيلم.
علي بكي
ترجمة عن المقال المنشور أصلاً على LinkedIn في 15 يناير 2017.